٢٠١١-١١-٣٠

دورة حياة الديكاتورية المنظّمة


"الديكتاتوية المنظّمة", في مراحلها المتقدّمة من العمر, هي حكم قمعي شمولي يعمل وفق آليات رتيبة و قوانين واضحة قائمة لترسيخ مبدأ الولاء للنظام و الخضوع المباشر له. المواطن في بلد كهذا يعرف حدوده و يعرف أيضاً أن لا كلمة له في أمور البلد و المجتمع و أن لا قيمة للمواطن سوى عند لعق قفا المسؤول الذي بدوره يلعق قفا من يعلوه في هرم السلطة و وصولا إلى رأس الهرم.. أو ما يسمّى بـ"القفا الأعلى"... تمر الديكتاتوريّة المنظّمة بعدّة مراحل فهي لم تولد ديكتاتوريّة أبداً. فقد كانت في صغرها تكنّى بـ "حركة تصحيحيّة" أو "انقلاب عسكري"
أو حتى بـ "ثورة". لسهولة الدلالة في هذا المقال, سأشير إلى الديكتاتوريّة المنظّمة في مراحل طفولتها بكلمة "ثورة".

هذا عندما كانت الـ"ثورة" حديثة العهد و وليدة صغيرة, كانت مليئة بالكلام المنمّق و الجميل الذي يعبّر عن وجع الجماهير التي طالما كانت تتوق لقدومها. كانت تحتوي على مصطلحات رنّانة حالمة كالعدالة, المساواة, الحريّة, القضاء على الفقر, محاربة الاستبداد و مكافحة الإمبرياليّة العالميّة. و لتفرض الـ"ثورة" وجودها كقوّة حاكمة في البلاد, تبدأ أولا بإزالة كل ما يمت لما سبقها بصِلة. و لتقريب هذه الفكرة, أعطي مثالاً: الثورة الإداريّة في المؤسسات الحكوميّة, فأول ما يأتي مدير جديد إلى أي مؤسسة حكوميّة, فإن أول ما يفعله هو تغيير العفش في مكتبه ليخفي أي أثر يدل على من سبقه و ليؤسس لعهد جديد ميمون في تاريخ حياة المؤسسة. فتبدأ ثوتنا بتغيير قواعد اللعبة السياسيّة في البلاد بحجة ارساء المبادئ الحالمة التي وعدت بها. فتنسف الدساتير و القوانين و تشرّع لنفسها ما لا يسمح به لغيرها. فتكبر الـ"الثورة" و تترعرع في كنف القواعد الجماهيريّة الحالمة التي لا تعرف ما أصابها. و تصبح ثورتنا أنضج و تضحي استبداداً مراهق.

مرحلة الـ"استبداد المراهق" هو أصعب المراحل في حياة الديكتاتوريّة المنظّمة, لأن أعداءها يكونون لها بالمرصاد و مازال عودهم قويّاً. في هذه المرحلة لابدّ للـ"استبداد المراهق" أن يقوم بتصفيه أعدائه و إلّا كانوا خطراً على وجوده. و لمواجهة أعداء الـ"ثورة" فاستبدادنا يملك عدة طرق و منها, على سبيل الذكر و ليس الحصر, حرب أهلية أو تكفير و تخوين أو حرب استنزافيّة مع دولة مجاورة أو غير مجاورة وفق ذرائع عاطفيّة أو مبادئ أخلاقيّة لا يختلف عليها أي مواطن. حين تبدأ هذه المرحلة فهي لن تنتهي و ليس مكتوباً لها في أديبيات الديكتاتوريّات أن تنتهي. فالخطر الخارجي (أو الداخلي) هو ما يلهي الشعب عن التفكير فيما سواه. هكذا يصبح الـ"استبداد المراهق" ناضجاً و له كامل الشرعيّة الأخلاقيّة و الدستوريّة (التي وضعها شخصيّا عندما كان "ثورة" اقصائية) أن يقمع و يُبعد أي معارض له من ساحة المنافسة السياسيّة و إلى السجون و المعتقلات و حبال المشانق. و بعد الإنتهاء من هذه المرحلة يغدو "استبدادنا المراهق" ناضجاً و يمكن تسميته بالـ"حكم الديكتاتوري". 

في هذه المرحلة, أعزّائي, يصبح الحكم الديكتاتوري واقعاً ملموساً و تكون شعاراته (عندما كان ثورة) قد بهتت و خفّ بريقها و يصبح المواطن على دراية بهذا الأمر و لكنّه لا يستطيع البوح بما يختلج أساريره. فابنه اليوم هو ابن هذه الـ"ثورة" التي هتف لها في المدرسة و رضع مبادئها في المدارس و المخيمات و الكشّاف و التلفزيون و حتى مع حليب الأطفال الذي توزّعه المؤسسة الاستهلاكيّة للثورة. ينظر المواطن إلى ابنه. يتساءل, هل أطلعه على الحقيقة؟ هل سيشي بي لأمن الثورة؟ هل يحبني كما يحب "أب الثورة" و قائدها العظيم؟ هنا يا سيدي تكون الثورة قد وصلت إلى مرحلة حساسة جدّا و هي باكورة الديكتاتوريّة المنظّمة التي تقوم على ولاء أبناء الثورة التي تمت تربيتهم في مدارسها. و لكن الوصول إلى مرحلة الرتابة و التنظيم يتطلب عملاً شاقّاً و صبراً عاليا. فكل طفل من أطفال الثورة هو مشروع مواطن مدجّن, سيصرف على تنشئته الآلاف من نقود الثورة ليصل إلى مرحلة الدجاجة العاملة في ظل حكم الديكتاتورية المنظّمة. في هذه المرحلة, يجب اعادة كتابة التاريخ, تسيس المعتقدات, تأطير الولاء. فتمنع المعرفة و تحاصر العقول. يمنع التفكير و يرسّخ مبدأ التلقين. فالتجربة العلمية في المدرسة تأتيك كما هي بنتائجها و قصتها و هدفها, لا يجوز لك أن تقوم بها فنظام الثورة التدريسي أعلم منك و المهم لك أن تحفظ لا أن تفهم أو تُجرّب. ستحاسب على الكلمة و الفاصلة في الامتحان فاذهب و احفظ و لن يكون لك وقت لتدقيق معلوماتك من مراجع أُخرى غير مهمّة. فكتب الأمّة صادرة عن مطابع الثورة - فرع التوجيه السياسي. و صحائف الأمّة صادرة عن اعلام الثورة - فرع التوجيه الاعلامي. حتّى الحب و العشق في زمن الثورة رمادي موجّه صادر من مكاتب الثورة - فرع تنظيم الأسرة! 

هكذا يا عزيزي, يخرج لك جيل جديد مدجّن. تربّى على محبّة "أب الثورة". نشأ على مبادئ الثورة و انجازاتها. يعشق الثورة و نظامها الداخلي. مستعدّ ليحمل السلاح و يقتل في سبيل الثورة. كيف ولا؟ و حبّه الأول (بعد حب الأب القائد) كان في أحد معسكراتها الطلائعيّة و حبّه الثاني في معسكراتها الشبيبيّة, و حبّه الأخير كان لرفيقته في الحلقة الحزبية؟ و هنا يكون الحكم الديكتاتوري قد أصبح نظاماً كاملاً من مؤسسات و مداجن بشريّة و استحق بعد هذه الانجازات لقب: الـ"ديكتاتوريّة المنظّمة".

المواطن في بلد الديكتاتورية المنظّمة, و بعد أن تصل هذه الديكتاتورية لمرحلة متقدّمة (يعني قرمة), يستيقظ على مصيبته. يعني بالعاميّة: "بحس بالمقلب يلي أكلو". فالأمل, و كما كل شيء في الحياة, إمّا أن ينضج أو يزول. و الأمل في بلد الديكتاتوريّة المنظّمة لا يدوم طويلاً. و عندها تتكسّر أحلام المواطن على صخرة الواقع. و يبدأ صراع التكييّف و البقاء في بلد الحلم الثوري الضائع. و بما أن الانسان مخلوق سريع التكيّف مع البيئة المحيطة, يغدو المواطن في بلد الديكاتوريّة المنظّمة على دراية بقواعد البقاء. و حكم الغاب يصبح نظاما قمعياً رتيباً و منظماً. يصبح المواطن عنصرا فعّالاً في المجتمع فهو يعمل بثلاث وظائف, أولها خلف مكتب في مؤسسة ثوريّة فيحترف "كش الدّبان" و ثانيها نادلاً في قهوة و آخرها سائق سيارة أُجرة (لا يملكها). يعود ليلاً ليمارس متعته الوحيدة مع زوجته منتجاً صيصان صغار يدفع بهم وقودا جديداً للثورة. و على هذا النمط, فلا خوف عليك أخي المواطن من قمع النظام, فأنت لا تملك وقتاً كافياً لتمارس الهرتقة السياسيّة و التنظير الثوري ضدّه و الخطر الأكبر على حياتك هو نقد أو استهجان خاطئ في مكان عمومي أو أمام جارك المخبر.

تستمر الديكتاتوريّة المنظّمة في دورة حياتها و تغدو شجرة متجذّرة يصعب قلعها, و لكن و لحسن الحظ, لكل شيء تاريخ صلاحيّة. و الديكتاتوريّة ليست استثناءً. و لتقريب الفكرة سأستعير تشبيهاً مشهوراً لأحد القادة "العظماء" لأحد الديكتاتوريات الآيلة للسقوط; الجراثيم, سيداتي و سادتي, نعالجها بالمضادات الجرثوميّة. و لكن الجراثيم بعد زمن تتطوّر و تصبح ممانعة للمضاد الجرثومي, فبالتالي يجب علينا أن نجد مضاد جديد و إلّا سقط الجسم كله في فخ المرض الذي لا علاج له. و هكذا فدواجن الثورة ستتطوّر و تصبح "ممانعة" (تيمّنا بقائد الثورة) لمداجن الثورة و ستصحو و تتمرّد. هنا ستحاول الديكتاتوريّة المنظّمة أن تسحق الجراثيم الجدد أو الدواجن الممانعة أو المندسّة و لكن الـ"ثورة" في هذه المرحلة من دورة حياتها تكون قد استنفذت كل طاقاتها و استعملت كل أوراقها في مرحلة "الاستبداد المراهق" من حروب و تكفير. فتراها تتخبّط في وعود كاذبة بالتغيير يرافقها "حزم" اصلاحيّة واهية و قمع أمني. ولكن كل فعل تقوم به ثورة الأمس, ديكتاتورية اليوم, لا يسبب إلا استنفار عدد أكبر من المواطنين الذين بدأوا يكتسبون مناعة ضد التدجين. و كالمليونير الذي خسر نقوده, يبتعد أصدقاء الديكتاتوريّة عنها و يبدأوا بشتمها و الاستيعاذ منها أي و بالعاميّة "بيلمسوا ع راسن و بيفركوها". و يتطور "المرض" الثوري عند المواطن و يتحوّل لثورة.

و تشتعل هذه الثورة و تحرق الديكتاتوريّة و تبدأ ثورة جديدة و بمبادئ جديدة و أحلام جديدة و وجوه جديدة واعدة مليئة بالكلام المنمّق و الجميل الذي يعبّر عن وجع الجماهير التي طالما كانت تتوق لقدومها. تحتوي على مصطلحات رنّانة حالمة كالعدالة, المساواة, الحريّة, القضاء على الفقر, محاربة الاستبداد و مكافحة الإمبرياليّة العالميّة... هي ثورة جديدة و لكنّها مهددة أن تعود و تدخل في دورة حياة جديدة قد تصل بها إلى ديكتاتوريّة جديدة. و لهذا أخي القارئ, اذا كنت في بلد مازالت فيه الـ"ثورة" في مرحلة الولادة, أرجو منك أن تأخذ جانب الحيطة و الحذر و لا تقف على الحياد. و إن رأيتها تنحرف عن طريقها, لا تقف متفرّجاً سلبيّاً, بل ادخل فيها و عدّل المسار و صلّح ما تراه خاطئاً. مارس دورك في تأسيس المستقبل, فأنت في مرحلة الاستيقاظ الثوري التي قد يعقبها نوم عميق أو حرّية حقيقيّة. فأيهما تفضّل و أيهما ستختار؟ 


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق